الجمعة، 14 أكتوبر 2016

النظريات السكانية

النظريات السكانية



ظهرت العديد من النظريات السكانية في مراحل مختلفة تعود لمفكرين و باحثين ينتمون لمدارس معرفية عديدة تروم إبراز العلاقة بين السكان والموارد وكيفية التكامل بينهما وتدرس تطور حجم السكان من حيث معدل الخصوبة السكانية (متوسط عدد الأطفال لكل إمرأة) ومدى امكانية توقعه مستقبلا وكذلك معدل الوفيات والهجرة.
و لعل أبرز هذه النظريات التي عرفها القرن التاسع عشر والقرن العشرون هي نظرية مالتوس,  تلتها النظرية الإجتماعية و النظرية الطبيعية . فما هي مميزات كل نظرية؟
.1       النظرية المالتوسية
تعد هذه النظرية من أبرز النظريات السكانية التي عالجت العلاقة بين السكان والموارد وهي للإقتصادي روبرت مالثوس (1766-1834) في كتابه “تجربة حول قانون السكان”. وهي تنص على أن قدرة الإنسان على الإنجاب والتناسل أعظم منها على إنتاج ضروريات الحياة .
فقد رأى مالثوس أن قدرة السكان على التزايد أعظم من قدرة الأرض على انتاج وسائل العيش ويمكن صياغة ذلك حسابياً بأن تزايد السكان يتم وفق متوالية هندسية بينما لا تزيد وسائل العيش إلا وفق متوالية حسابية.
وفي سياق هذا التأويل الرياضي لنمو السكان ووسائل المعيشة تعد المجاعة مثلا بمثابة منظم طبيعي “ايجابي” حسب تعبير مالثوس للتوازن بين المواد الغذائية والسكان إذا لم يتخذ السكان اجراءات لوقف نموهم. واطلق على هذه الاجراءات ” المنظمات الاخلاقية للتوازن” ومنها الزواج المتأخر وضبط الشهوة الجنسية.
و قدتزامن ظهور النظرية مع اصطدام النظام الرأسمالي ببدايات مظاهر الأزمة التي عرفتها الثورة الصناعية. فأرجع مالتوس أسباب الأزمة المتمثلة في فقر الفلاحين والحرفيين وانتشار البطالة إلى الطبيعة الازلية البيولوجية وليس إلى طبيعة علاقات الإستغلال الإجتماعية كما فعل ماركس  .
وقد تعرضت النظرية المالتوسية على أمتداد القرن التاسع عشر والعشرين وإلى الآن إلى النقد الذي أثبت فشلها.
.2     النظرية الطبيعية
تعتقد النظريات الطبيعية  أو البيولوجية  أن السكان متغير مستقل ومن ثم توجد له قوانينه الخاصة التي تنظم تغيره وتتحكم في اتجاهات نموه. وهذا التيار يعتمد في رؤيته للمشكلة السكانية على نتائج التجارب العملية التي طبقت على بعض الحشرات والحيوانات والكائنات الحية الأخرى.
ومن أبرز الكتاب الذين ساهموا في هذا الاتجاه سادلر ودبلداي وسبنسر وجيني.
أ‌.      نظرية سادلرMICHAEL THOMAS SADLER
يعتقد صاحب النظرية أن زيادة السكان عملية بيولوجية تتحكم في نفسها بنفسها . فكلما زاد عدد السكان في بلد معين تتدخل هذه الأخيرة لحمايته من التضخم الزائد , عبر إنقاص القدرة التناسلية للفرد.
فالرجل يرى أن نقص عدد السكان و استقراره في نقطة معينة يتم في انتقال الإنسان من مرحلة بدائية إلى مرحلة أخرى أكثر تطورا إلى مراحل أرقى حيث تظهر بكل جلاء ظاهرة تقسيم العمل و تعم الراحة و الرفاهية.
ب‌. نظرية دبلدايTHOMAS DOULEDAY
يرى دبلداي أن النوع البشري في تعرضه للخطر, تبذل الطبيعة جهودا لحفظه و حماياته. حيث أن عدد هذا الأخير في تناقص مستمر داخل الطبقة الغنية و في تزايد داخل الطبقة الفقيرة , أما الطبقة المتوسطة فنسبة التوالد داخلها ثابتة.
فالأمة القادرة على إيجاد توازن بين الطبقتين الغنية و الفقيرة تتمكن من جعل عدد سكانها ثابتا .
و ما لم تستطع ذلك رغم الثراء و الرخاء فعدد سكانها يضمحل . و هذا هو القانون الحقيقي العظيم للسكان لدبلداي في علاقة السكان بالتغذية.
ت‌. نظرية سبنسرHERBERT SPENCER
لم يبن سبنسر نظريته على أساس التغذية و حدها كما فعل دبلداي بل على ما أسماه التنافر بين الذاتية و التوالد . فكلما أفرط الفرد في تأكيد وجوده قلت حظوظ الخلف. و يتجلى ذلك عند السيدات العاملات و المنتسبات للطبقة الغنية, فبالرغم من التغذية الجيدة التي يحظين بها إلا أن التأثير الذي يتعرض له تركيبهن العضوي يقلل من القدرة على الإنسال. بينما تتزايد نسبة الإنسال عند اللائي لم يتلقين تعليما عاليا و لم يعرفن نضوجا ذاتيا.
ث‌. نظرية جينيCORADO GINI
تنبني نظرية جيني على أساس طبيعة العلاقة بين المتغير السكاني و النظم الإقتصادية و السياسية و الثقافية . حيث أن التركيب السكاني بإمكانه تغيير التركيب الجنسي أو البيولوجي للمجتمع.
فالرجل يعتقد أن المجتمعات تتم في مراحل تكوينها بخصوبة مرتفعة تؤدي إلى ازدياد كثافتها , هذه الأخيرة تصاحبها اختلافات  في الأوضاع الإجتماعية مما ينتج عنه اختلاف كذلك في معدلات الخصوبة بين الطبقات . و عند الإكتظاظ السكاني للمجتمع يضطر جزء منه إلى الهجرة بطريقة سلمية أو مصاحبة بالحرب, التي تؤثر في عناصر واسعة من أفراد المجتمع.
ينتقل المجتمع فيما بعد إلى مرحلة ينقص فيها عدد السكان و الخصوبة , فتصعد الطبقات الدنيا إلى الطبقات العليا لملء الفراغ الذي خلفته هذه الأخيرة جراء نقص خصوبتها .  لتعم الرفاهية كل الطبقات
و ينتعش الإقتصاد و تزدهر الفنون و الآداب و الموسيقى.
كما يشير جيني إلى مرحلة أخرى يمر منها ذاتالمجتمع و هي مرحلة الإضمحلال التي تبدأ مع التقهقر الذي تعرفه الخصوبة من جهة و الهجرة من الريف إلى المدن من جهة ثانية , فيختل الإستهلاك مما يؤثر على الصناعة و التجارة , و يسبب في الأزمات الإجتماعية التي تؤدي إلى فناء المجتمع إما سلميا أو عن طريق الحرب.
إلا أن نظرية جيني لاقت انتقادات خصوصا من بتريم سوروكن الذي اعتبرها بنيت على أساس من تاريخ الرومان و اليونان و من ثمة لا يمكن تعميمها على كل المجتمعات.
.3النظرية الإجتماعية
تتجه النظرية الإجتماعية إلى رفض تأثير العامل البيولوجي بل تعتقد بوجود عوامل اجتماعية يتأثر بها السكان فتجعل الإنسان يحدد إنجابه ويتجه إلى الأسرة النووية وذلك باتباع وسائل تحديد النسل دون أن تتغير طاقته البيولوجية على الإنجاب. ومن أبرز روادها هنري جورج وديمون وكار سوندرز وكارل ماركس.
أ‌.      كارل ماركس CARL MARX
يقرر كارل ماركس في نظريته أنه لا وجود لقانون عام ثابت للسكان. فلكل مجتمع قانونه السكاني الخاص به. و يعتقد أن النظام الإقتصادي السائد في المجتمع هو الذي يتحكم في عدد السكان و ليست الخواص الثابتة في الطبيعة كما يعتقد أصحاب النظرية الطبيعية . فإذا ما تحول النظام الإقتصادي الذي يتتبع الطريقة الرأسمالية في الإنتاج  إلى نظام اشتراكي سوف لن تكون ثمة مشكلة السكان المتمثلة في التزايد و الفقر و البؤس.
ودليله في ذلك أن ميل الإنسان إلى الضغط على وسائل العيش راجع إلى مساوئ الرأسمالية التي يمكن أن تزول بعد زوال الطبقات وبناء المجتمع الشيوعي. إلا أن نظريته هي الأخرى تجاهلت العوامل الأخرى غير الإقتصادية التي تؤثر في النمو الحقيقي للسكان, مثل الزواج و الخلف و هي عوامل لا يمكن إغفالها مما يتعارض مع طبيعة البشرمن جهة , و ما تقتضيه الحياة الإجتماعية السليمة من حهة أخرى.
ب‌. نظرية أرسبن ديمونARSENE DUMONT
يرى ديمون أن الإنسان عندما يحاول الترقي في بيئته الإجتماعية من طبقة دنيارإلى طبقة عليا , يفقده هذا التقدم الإجتماعي القدرة على الانسال . فكلما كان المجتمع أكثر ديمقراطية و يسمح بترقي الأفراد في السلم الطبقي الإجتماعي , يجنح أفراده إلى عدم الإهتمام بالخلف و تكوين الأسر , لأن ذلك يؤخر أو يعيق طموحهم الشخصي و بالتالي يلاحظ نقص ملحوظ في نسبة المواليد.
بينما ترتفع هذه الأخيرة في المجتمعات ذات النظام الطبقي الجامد الذي لا يسمح بترقي الأفراد و اندماجهم في طبقات عليا , و بالتالي فهم يتفرغون لتكوين أسرهم و يعملون على تماسكها.
و الملاحظ  أن هذه النظرية لا تختلف كثيرا عن نظرية سبنسر التي طورها ديمون و أضفى عليها تعديلات. إلا أنها لا تخلو من القيمة من وجهة النظر الإجتماعية رغم كونها لا تفسر بشكل كامل هبوط نسبة المواليد.
ت‌. نظرية كار سوندرزALEXANDER M. CARR- SAUNDERS
يعتقد كارسوندرز أن الإنسان يحاول دائما أن يصل بحجمه إلى العدد الأنسب داخل مجتمعه , مستثمرا و مستغلا بيئته بكل ثرواتها الطبيعية و البشرية دون أن تؤثر زيادة عدده في المستوى اللائق للمعيشة ,
ويربط  زيادة عدد السكان بزيادة تفاعل الإنسان مع بيئته  و العكس صحيح, وهو برأيه هذا يخالف مالتوس الذي يقول بأن زيادة عدد السكان لا تتناسب مع موارده.
وما يؤخذ على هذه النظرية هو أنه ليس من السهل تحديد الطاقة أوالعدد الأنسب الذي يتحدث عنه كارسوندرز في المجتمع, لأن هذا الأخير تتعدد أشكاله من بسيط و مركب . كما أنه ليس من اليسير توقع الإتجاه الحالي و المستقبلي لتكوين المجتمع الإقتصادي فكيف يمكن تقييم موارد المجتمع لمعرفة عدده الأنسب؟
خاتمة
تختلف النظريات السكانية باختلاف المدارس المعرفية التي تروم مقاربتها. إلا أن الملاحظ أنه لا توجد ثمة نظرية تشكل قانونا عاما و ثابتا للسكان , فلكل عصر و لكل مجتمع قانونه السكاني الخاص به ينتج بالضرورة عن الظروف السائدة بالمجتمع.
إلا أن كل النظريات لا تخلو من القيمة العلمية التي تكشف عن جوانب مهمة من علم دراسة السكان.

اعلان 1
اعلان 2

0 التعليقات :

إرسال تعليق

عربي باي